الشيخ محمد رشيد رضا

505

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

خَاصَّةً ) وقوله ( وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ) فكان يفهم منها صلّى اللّه عليه وسلّم مالا يفهم غيره من الصحابة فمن دونهم علما وفهما كما روي عن الزبير ( رض ) من عدة طرق في آية ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً ) انهم قرءوها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يكونوا يعلمون أنها تقع منهم حيث وقعت في فتنة قتل عثمان وفي يوم الجمل ، والروايات عن الزبير أوردها الحافظ في أول شرح كتاب الفتن من البخاري ( 2 ) ان اللّه تعالى أعلمه ببعض ما يقع في المستقبل بغير القرآن من الوحي كسؤاله لربه أن لا يجعل بأس أمته بينها فلم يعطه ذلك وأعلمه أن سنته في خلقه لا تتبدل أي وأن هذا منها راجع تفسيرنا لقوله تعالى ( 6 : 65 قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ) إلخ ولم يكن صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن ذلك من سنته تعالى قبل إعلامه له . ( 3 ) انه كان يتمثل له صلّى اللّه عليه وسلّم بعض أمور المستقبل كأنه يراه كما تمثلت له الجنة والنار في عرض الحائط ، وكما تمثل له في أثناء حفر الخندق ما يفتح اللّه لأصحابه من الممالك وكما تمثلت له الفتن وهو مشرف على أطم من آطام المدينة فقال كما في الصحيحين « هل ترون ما أرى ؟ قالوا لا ، قال « فانى لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر » وظهر هذا في فتنة قتل عثمان ( رض ) ومثله حديث الفتن من قبل المشرق وكشفه هذا حق وهو ما يسميه أهل الكتاب نبوءات وقد ظهر منه شيء كثير كالشمس ( 4 ) إنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يخبر أصحابه بكل ما يطلعه اللّه عليه من ذلك بل بما كان يرى المصلحة في إخبارهم به موعظة وتحذيرا ، وكان يخص بعض أصحابه ببعضها كما روي في مناقب حذيفة ( رض ) وما كان كل من سمع منه شيئا منها يفهم مراده كله وإذا كانوا لم يفهموا تأويل بعض آيات القرآن في سنن اللّه العامة حق الفهم التفصيلي كما تقدم آنفا عن الزبير ( رض ) وإذا كان منهم من لم يفهم بعض آيات الاحكام الظاهرة كقوله تعالى ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) فلأن يخفى عليهم تأويل ما خص به بعض الافراد وهو مما لم يؤمر بتبليغه للناس كافة - لأنه ليس من أصول الدين ولا من فروعه - أولى - وخفاء ذلك على من